حفر صخرة بإبرة أيسر من الاجتهاد

موقع الشيخ علي الجزيري يرحب بكم

جاري تحميل المحتوى . . . الرجاء الانتظار

قائمة الاقسام
عنوان السؤال: حفر صخرة بإبرة أيسر من الاجتهاد
ابو كرار 2017/04/10 180

يدّعي البعض أن الاجتهاد سهل يسير لا يحتاج لذلك الجهد ، إلمام بسيط باللغة العربية والروايات يكفي . ماهو تعليقكم ؟

 

أمّا سؤالكم عن الاجتهاد وأنه أمر ميسور ، فهذه الدعوى لا يُمكن تصوّر صدورها إلا ممن لم يعرف الاجتهاد ولم يعرف صعوبة هذا الطريق، وما يتوقف عليه.

استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية يحتاجُ إلى إلمام بالأدلة التفصيلية للأحكام ماهي ؟، فلا بدَّ أن يعرف ما هي الأدلة التي يُستنبط منها الحكم الشرعي!

وأدلة الأحكام الشرعية ترجع في أصلها إلى أصولٍ أربعة أو خمسة أو اثنين على اختلاف التصنيف .

لا أظن هذا القائل بيسر الاجتهاد يعرف من هذا الكلام شيئاً !.

ولكنّا نكتفي بإرجاع أصول الأدلة إلى دليلين حتى نسهل الأمر عليهم، إلى الكتاب والسنة.

أصول أدلّة الأحكام الشرعية كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، الكتاب والسنة لم يشتملا على بيان كافة الأحكام الشرعية بالعبارات التي نتعامل بها اليوم.

فإذا أراد أن يعرف حكم من صلى الفجر في بلده ثم ركب الطيارة ، فذهب إلى بلد آخر لم يطلع الفجر بعدُ عليه ثم طلع الفجر، يصلي أم لا يصلي ؟

من أي آية يستنبط حكم هذه المسألة ؟ ومن أي رواية يستنبط حكم هذه المسألة ؟ .

إذاً الأحكام الشرعية لم تُذكر في الكتاب والسنة جميعًا بالألفاظ التي نتعامل بها ، فلا بد أن نعرف الأصول التي في القرآن الكريم وفي السنة.

والأصول التي في القرآن وفي السنة جاءت على طرق مختلفة من البيان :

فمنها المـطلق، ومنها المقيّد،
ومنها العــام، ومنـها الخـاص،
ومنها المجمل، ومنها المبيّن،
ومنها الناسخ، ومنها المنسوخ،
ومنها الحاكم ، ومنها المحكوم.
ومنها الوارد، ومنـها المورود.

الفرق بين التخصيص والحكومة ماهو ؟
سُئِل الشيخ الأنصاري(رحمه الله)عن معنى الحكومة (قبل الفرق بينه وبين التخصيص ) - والسائل فحلٌ من الفحول -قال : تحتاج لحضور بحثي ستة أشهر لتعرف معنى الحكومة على وجه التحقيق، ومن لم يعرف معنى الحكومة فإنه لا يسعه الاستنباط.
هذا في طرق بيان الحكم الشرعي في الكتاب والسنة.

السنّة ليست واصلة إلينا بطرق يقينية بأجمعها بل فيها:
ما هو واصل بالتواتر.
وفيها ما هو واصل بالنقل المحفوف بالقرينة اليقينية.
وفيها ما هو واصل بالنقل المحفوف بالقرينة المفيدة للوثوق ( أو للثقة بالصدور ) والاطمئنان به.
وفيها ما هو دون ذلك.

فكيف يميز غير من قضى دهرا طويلا في تحصيل المقدمات والدراسة واكتفى بصنعتين أو ثلاث كما تقولون لسنتين أو ثلاث ، وهو مشغول بأشغاله وبكسبه ؟!
كيف يتمكن من معرفة الروايات الصادرة بهذا المستوى أو ذاك ؟!

طرق تمييز أن الرواية صادرة بطريق مفيد للثقة بالصدور، أو واصلة من طريق ناقل ثقة، طرق تمييز ذلك في غاية الصعوبة.

يحتاج الإنسان لتحديد ما هو الحجة من الروايات ؟هل الحجة من الروايات هو الرواية التي تحصل الثقة بصدورها والاطمئنان بصدورها عن المعصوم خاصة ؟
أو الحجة هي الروايات التي يرويها الناقل الصدوق الثقة، ( هذه أيضا حجة).

تحديد الحجة من الروايات يتوقف على تمحيص ودراسة مسألة في علم الأصول باسم (مسألة حجيّة خبر الواحد )، هذه المسألة تحتاج إلى تحقيق وتمحيص يحتاج من الزمن أكثر من سنة .

الشيخ الأنصاري (رحمه الله) تعرّض لدلالة آية واحدة على حجّية خبر الثقة وهي قوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا… ) .
ثم تعرّض للاعتراضات على دلالة هذه الآية ، وقال : إن الاعتراضات على ذلك كثيرة ، ذكر منها نيّفًا وعشرين اعتراضا على دلالة الآية .

دراسة كل واحد من هذه الاعتراضات يحتاج إلى مقدمات لسنوات ، ومن حصّل هذه المقدمات لسنوات ، يحتاج إلى تمحيص هذا الاعتراض الواحد لأسابيع .
ولم ينتهِ من الحديث في دلالة الآية ، هذا اعتراض واحد على دلالة الآية فقط ، ليخرج بنتيجة في دلالة هذه الآية إذا أراد أن يبحثها حق بحثها يحتاج إلى ستة أشهر .

الشيخ الأنصاري (شكر الله سعيه) مع كل جهده في دراسة هذه الآية لم يعطِ هذه الآية نصفها من البحث .
لا يزال ضِعفُ بل أكثر مما بحثه الشيخ الأنصاري في دراسة هذه الآية محتاج للبحث والدراسة ،
بحث الشيخ الأنصاري يحتاج إلى تفسير!

كان بعض العلماء يقول: من كان قادرا على شرح ثلاثة أسطر مما كتبه الشيخ الأنصاري(رحمه الله) أجيزه بالاجتهاد .
إذا كان هذا حال كلام الشيخ الأنصاري وهو مع ذلك لم يستوفِ هذه الآية حقها من البحث .

كيف يتمكن من الاجتهاد بمطالعة ساعتين أو ثلاث لسنتين أو ثلاث ؟! .

هذا كله في أصل الصدور.

صدور الرواية لو سُلَِّم أن الخبر الذي يأتي به الناقل الثقة الصدوق حجة ، لو سُلِّم أو ثبت هذا ! لابد له من إحراز أن هذه الرواية قد نقلها الناقل الثقة الصدوق .

فإذا جاءته رواية من طريق سهل بن زياد وقد روى سهل بن زياد ما يقرب من ألفي رواية، لابد له أن يدرس حال سهل بن زياد ، ويعرف إن كان سهل بن زياد ثقة أو ليس بثقة ، دراسة حال سهل بن زياد لمعرفة أنه ثقة أم ليس بثقة تحتاج إلى دراسة وجوه متعددة .

الشيخ الوحيد الخرساني (حفظه الله) ذكر أكثر من عشرة أوجه لتوثيق سهل بن زياد .

لكي تحكم أن سهل بن زياد ثقة أو تحكم أنه ليس بثقة فتطرح جميع رواياته ، لا بد أن تستوفي البحث عن حال سهل بن زياد ، واستيفاء البحث يقتضي منك دراسة هذه الوجوه والتأمل فيها ومعرفة صحتها من عدمه .

هذا حال راوٍ واحد ، والرواة ليسوا سهلا وحسب ، الرواة جمعهم السيد الخوئي (رحمه الله) في كتابه معجم رجال الحديث في نيّفٍ وعشرين مجلدا، لابد أن تدرس حال الرواة لكي تعرف أن هؤلاء ثقات أو ليسوا بثقات .

ثم بعد أن تحرز أن الراوي ثقة وتعلم في الأصول أن رواية الثقة حجة ، هل يكفي هذا ؟! .
لابد أن تكون رواية الثقة الواصلة إليك سالمة من المعارض ، ألا توجد رواية تعارضها .
فإذا وُجِدت رواية تعارضها ، فإنك تحتاج إلى معرفة الأحكام التي تُعالج بها الروايات المتعارضة .

كيف يُعالج تعارض الأخبار ؟!
هذا يحتاج إلى دراسة بحث التعارض لمعرفة طرق علاج التعارض بين الأخبار .

بحث التعارض السيد الصدر (رحمهُ الله) بحثه في مجلد ربما ٦٠٠ صفحة ، هذا المجلد يحتاج إلى شرح في مجلدين أو أكثر ، لكي تتمكن من علاج التعارض بين الأخبار .
هذا المجلد يحتاج إلى شرح ليس لعامة الناس لغير المتخصصين .
يحتاج إلى شرح ممن درس على الأقل عشر سنوات في الحوزة، هذا الذي درس على الأقل عشر سنوات في الحوزة يحتاج إلى مجلدين يشرحان هذا المجلد لكي يتمكن من فهمه .
أما الذي لم يدرس في الحوزة فلا يمكنه أن يفهم ما ذكره السيد في هذا البحث.

إلى الآن لم يتمكن من استنباط الحكم ، لاتزال هناك عقبات نتركها إلى مجال آخر .
إذاً مع كل هذا لم يتمكن ، مع كل هذه المقدمات ،
مَنْ حصّل كل ما ذكرناه غير قادر على الاستنباط.

إذا عرفت هذا تفهم معنى كلمة المحقق العراقي (رحمه الله) أستاذ السيد الخوئي وأستاذ السيد محسن الحكيم وأستاذ هؤلاء المراجع الفحول من هذه الطبقة يقول :

[حفر صخرة بإبرة أيسر من الاجتهاد ]

لكن من لا يدري عذره جهله .

مثل من يأتي إلى الطبيب الذي يستقبل حالات الإسعاف ، يرى أن الطبيب ينظر إلى درجة حرارة المريض وينظر إلى فمه ثم يكتب بندول فيقول حفظنا الطب ، فهذا معذور لأنه لا يدري ، ومن لا يدري عذره جهله .

الشيخ الحائري (رحمه الله) أستاذ الشيخ الآراكي ، الشيخ عبدالكريم الحائري مؤسس حوزة قم الحديثة ، غير حوزة قم القديمة التي في القرن الثالث والرابع ، حوزة قم الحديثة أسسها الشيخ عبدالكريم الحائري (رحمه الله) المتوفى سنة ١٣٥٤هـ أو ١٣٥٥هـ .
السيد الخميني  تلميذه ، السيد الگلبيگاني تلميذه ، الشيخ الآراكي تلميذه ، هؤلاء العلماء من هذه الطبقة تلاميذه ، وهو معاصر للنائيني وللمحقق العراقي الذي ذكرناه قبل قليل .

الشيخ عبدالكريم الحائري كان يقول :
"أن عمر الإنسان لا يفي بتحقيق ودراسة وتمحيص دورة كاملة في الفقه ، فلا بد من أن يجعل الفقه تخصصات :
فقيه يتخصص في كتاب الطهارة،
فقيه يتخصص في كتاب البيع والخيارات،
فقيه يتخصص في مستحدثات المسائل،
فقيه يتخصص في كتاب الحج ، وهكذا،

لأن عمر الإنسان لا يفي بتحقيق دورة كاملة، أي : المنهاج ( منهاج الصالحين - أو المسائل المنتخبة ).


السابق