(واقشعرت لدمك أظلة العرش)

موقع الشيخ علي الجزيري يرحب بكم

جاري تحميل المحتوى . . . الرجاء الانتظار

قائمة الاقسام
عنوان السؤال: (واقشعرت لدمك أظلة العرش)
ابو كرار 2017/04/14 244

السؤال  ما معنى (واقشعرت لدمك أظلة العرش)؟

ورد هذا التعبير في زيارتين للإمام الحسين (ع):

الأولى : في خصوص دمه الشريف، وهي الفقرة التي وردت في الزيارة التي رواها المحمدون الثلاثة ، الكليني ([1])، والصدوق([2]) ، والطوسي([3]) :
(السلام عليك يا ثأر الله وابن ثاره السلام عليك يا وتر الله الموتور في السموات والأرض، أشهد أن دمك سكن في الخلد فاقشعرت له أظلة العرش، وبكت لك جميع الخلايق، وبكت لك السموات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهن، وما يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا وما يرى ومالا يرى).

والثانية : في دمه عليه السلام ودماء الشهداء من أهل البيت عليهم السلام، وهي التي رواها ابن طاووس في الإقبال([4]) ، والشهيد في المزار([5]):
(فلعن الله امة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت، ولعن الله امة دفعتكم عن مقامكم وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها. بأبي أنت وامي ونفسي يا أبا عبد الله، أشهد لقد اقشعرت لدمائكم أظلة العرش مع أظلة الخلايق، وبكتكم السماء والأرض، وسكان الجنان والبر والبحر، صلى الله عليك عدد ما في علم الله)

وقال صاحب البحار في توضيح المقصود بها :
" قوله عليه السلام: " واقشعرت له أظلة العرش الأظلة جمع ظلال وهو ما أظلك من سقف أو غيره، والمراد هنا ما فوق العرش أو أطباقه وبطونه، فان كل طبقة و بطن منه ظل لطائفة أو أجزاء العرش فان كل جزء منه ظل لمن يسكن تحته، وقد يطلق الظلال على الأشخاص والأجسام اللطيفة وعالم الأرواح، فيمكن أن يكون المراد بها الأرواح المقدسة والملائكة الساكنين في العرش،وفي بعض النسخ ظلة العرش بالضم فالإضافة بيانية" ([6]).

قال ابن عبد المحسن :
ها هنا أمور ينبغي التنبيه عليها قبل الحديث عن معنى هذه الفقرة :
الأمر الأول : إن مراد المعصوم من مثل هذه التعبيرات التي ليس لها دلالة صريحة أمر لا سبيل إلى الجزم به عادة ، خصوصا فيما كان كل من المفهوم والمصداق فيه مجهولا .

الأمر الثاني : إن ظاهر هذا التعبير أن الكلام ناظر إلى عظمة مصيبة الإمام الحسين (ع) ، وهول الفاجعة ، ولا يلزمك أن تعرف المقصود بأظلة العرش ، والمقصود بكونها اقشعرت لتفهم هذا المعنى ، نظير ما جاء في القرآن الكريم من وصف شجرة الزقوم بأنّ (طلعها كأنه رؤوس الشياطين)، ووصف النسوة ليوسف بأنه (ملك كريم) ، مع أنهن لم يشاهدن الملائكة، ولكن هذه التعبيرات لها دلالة عرفية على تناهي الموصوف في الصفة التي يراد إظهارها ، وأن الموصوف أعظم مما شاهده الإنسان في حياته .

ولعل فزع جميع الخلائق لسفك دم الإمام الحسين (ع)، أو دماء أهل البيت (ع) إنما خص بعالم الذر ، والأظلة باعتبار أنهم لم يعرفوه بعد ، ولم تحصل لهم محبة ولا عداوة له ، وهذا يبين فظاعة ما جرى من حيث إن كل من يطلع على سفك دمه عليه السلام ويكون (محايدا) فإنه سيفزع لذلك لا محالة .

الأمر الثالث : قد ورد عنهم عليهم السلام روايات تبين أن الله سبحانه قد خلق الخلائق في عالم سابق على العالم المادي ، وأن الخلائق تسمى في ذلك العالم بالأظلة :
منها : ما عن الثمالي قال: دخلت حبابة الوالبية على أبي جعفر عليه السلام فقالت: أخبرني يا ابن رسول الله أي شئ كنتم في الاظلة ؟ فقال عليه السلام: (كنا نورا بين يدي الله قبل خلق خلقه)([7]).

ومنها : عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كان الله ولا شئ غيره، فأول ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمدا وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه، حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان، ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر) ([8]).
وعن حبيب قال: حدثني الثقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد وهم أظلة قبل الميلاد، فما تعارف من الارواح ائتلف، وما تناكر منها اختلف)[9].

ومنها : ما عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ما تقول في الارواح إنها جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟
قال: فقلت: إنا نقول ذلك،  قال: فإنه كذلك، إن الله عزوجل أخذ من العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد، وهو قوله عزوجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " إلى آخر الآية،  قال: فمن أقر له يومئذ جاءت ألفته ههنا ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا"([10]).

ومنها : ما عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جده، عن رجل من أصحابه يقال له: عمران أنه خرج في عمرة زمن الحجاج فقلت له: هل لقيت أبا جعفر عليه السلام قال: نعم، قلت: فما قال لك ؟ قال: (قال لي: يا عمران ما خبر الناس ؟ فقلت: تركت الحجاج يشتم أباك على المنبر - أعني علي بن أبي طالب صلوات الله عليه - فقال: أعداء الله يبدهون سبنا ! أما إنهم لو استطاعوا أن يكونوا من شيعتنا لكانوا، ولكنهم لا يستطيعون ; إن الله أخذ ميثاقنا وميثاق شيعتنا ونحن وهم أظلة، فلو جهد الناس أن يزيدوا فيه رجلا أو ينقصوا منه رجلا ما قدروا على ذلك)([11]).

ومنها : عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: (إن الله خلق الخلق وهي أظلة، فأرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وآله فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه، ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن به في الاظلة وجحده من جحد به يومئذ، فقال: ما كانو ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) ([12]).

ومنها : ما عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالسا في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل رجل فسلم فقال: من أنت يا عبد الله ؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: فما حاجتك ؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) ؟ قلت: نعم، قال: فما حاجتك إليه ؟ فقال: هيأت له أربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته، وما كان من باطل تركته، قال أبو حمزة: فقلت: هل تعرف ما بين الحق والباطل ؟ فقال: نعم، فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق والباطل ؟ فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفر (عليه السلام) فأخبرني، فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر (عليه السلام) وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج، فمضى حتى جلس مجلسه وجلس الرجل قريبا منه قال أبو حمزة: فجلست بحيث أسمع الكلام وحوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت إلى الرجل فقال له: (من أنت ؟ فقال: أنا قتادة بن دعامة البصري،  فقال له أبو جعفر (عليه السلام): أنت فقيه أهل البصرة ؟ قال: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ويحك يا قتادة إن الله تعالى خلق خلقا من خلقه، فجعلهم حججا على خلقه، وهم أوتاد في أرضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، أصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه. قال: فسكت قتادة طويلا ثم قال: أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضظرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قد امك ! فقال أبو جعفر (عليه السلام): أتدري أين أنت ؟ بين يدي  بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأنت ثم، ونحن اولئك، فقال قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك، والله ماهي بيوت حجارة ولا طين)([13]).

ومنها : ما عن رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي بإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يا جابر كان الله ولا شئ غيره، لا معلوم ولا مجهول، فأول ما ابتدأ من خلقه أن خلق محمدا صلى الله عليه وآله، وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه، حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان، ولا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر)([14]).

ومنها : ما عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أنه قال: (أيها الناس إن أهل بيت نبيكم شرفهم الله بكرامته وأعزهم بهداه واختصهم لدينه وفضلهم بعلمه واستحفظهم وأودعهم علمه على غيبه، فهم عماد لدينه شهداء عليه، وأوتاد في أرضه قوام بأمره، برأهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه، نجباء في علمه، اختارهم وانتجبهم وارتضاهم فجعلهم علما لعباده وأدلاء لهم على صراطه). ([15]).

ومنها : ما عن بكير بن أعين، قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: (إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر يوم أخذ الميثاق على الذر بالاقرار بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، وعرض الله عزوجل على محمد امته في الطين وهم أظلة، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم)([16]).

أقول: فيحتمل أن يراد بكون أظلة العرش قد اقشعرت لدمه عليه السلام إنّ الله سبحانه قد عرض على الخلائق في عالم الذر ما سيجري على الإمام الحسين عليه السلام ، وأن الخلائق لما شاهدته أصابها الفزع مما رأت .

كما يحتمل أن يراد به معاني أخر يطول الكلام ببيانها، خصوصا بعدما عرفت من أن الغاية من هذا التعبير معلومةٌ وهي بيان أن سفك دم الإمام الحسين عليه السلام أمرٌ عظيم ، وهذا معنى نفهمه من هذا التعبير حتى إذا لم نعرف المراد باقشعرار أظلة العرش، والله العالم.

 

 

[1]  الكافي - الشيخ الكليني - ج 4 – ص 576

[2]  من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق – ج 2 ص 595

[3]  تهذيب الأحكام - الشيخ الطوسي - ج 6 – ص 55

[4]  إقبال الأعمال - السيد ابن طاووس – ج 3 ص 342

[5]  المزار - الشهيد الأول – ص 144

[6]  بحار الأنوار – الشيخ المجلسي- ج 98 ص 154

[7]  بحار الأنوار – الشيخ المجلسي  ج 25 ص 24 ح 40.

[8]  بحار الأنوار - الشيخ المجلسي ج 25 ص 17 ح 31

[9]  علل الشرائع - الشيخ الصدوق – ج 1 ص 84

[10]  بحار الأنوار - الشيخ المجلسي – ج 65 ص 206

[11]  المحاسن - أحمد بن محمد بن خالد البرقي – ج 1 ص 135

[12]  تفسير العياشي - محمد بن مسعود العياشي – ج 2 ص 126

[13]  الكافي - الشيخ الكليني – ج 6 ص 256

[14]  بحار الأنوار - الشيخ المجلسي – ج 15 ص 23

[15]  تفسير فرات الكوفي ص 337

[16]  المحاسن - أحمد بن محمد بن خالد البرقي – ج 1 ص 135


التالي السابق