كلمة بمناسبة ذكرى استشهاد الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام  1433هـ

موقع الشيخ علي الجزيري يرحب بكم

جاري تحميل المحتوى . . . الرجاء الانتظار

قائمة الاقسام

كلمة بمناسبة ذكرى استشهاد الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام  1433هـ

2016/09/14 1258

كلمة لسماحة الشيخ علي الجزيري بمناسبة ذكرى استشهاد الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام 
تاريخ المحاضرة 13 جمادى أول 1433هـ ، الموافق 5 أبريل 2012م


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين،  وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على أشرف الخلق أجمعين ، محمد وآله الطاهرين ، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين .

 

هذه الليلة لن نتمكن من البحث  في الحلقة التالية من بحثنا ، لأنّنا في هذه الليلة نجتمعُ لإحياء ذكرى شهادة سيدة نساء العالمين ، ولأَجل هذا نُوقف بحثنا في هذه الليلة ، لنتحدّث بحديثٍ يناسبُ هذه المناسبة ، فإنّها مناسبةٌ عظيمة ، يعجزُ اللسان عن وصف عظمتها ، ويحَار اللبُّ في الحديث عنها.

كم من الوقت مضى على رحلة النبي صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى ؟!  

ليس لمعتذرٍ أن يعتذر بأنّه نسي عهد النبي صلى الله عليه وآله ، أو إنّه لم يكن يعرف مدى توقير النبي صلى الله عليه وآله لإبنته وتعظيمه لها ، فهذا الباب من أبواب الاعتذار باب مسدود!

وليس لأحدٍ أن يعتذر بأنه يجهل مكانة فاطمة عليها السلام!

وليس لأحد أن يعتذر بأنّه يجهل ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه الأمة بالموازين الدنيوية، لا أقول بالموازين الأخروية ، لو أنّ أحداً منهم لا يعرف قيمة الهداية، ولا يؤمن بأن هناك جنة وناراً، فإنّ ما صنعه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله لهذه الأمة بحسب موازين الدنيا شيءٌ لا يمكن لهذه الأمة أن تردَّ الجميل له! وهذه عندكم موازين أبناء الدنيا، كيف وضعوا رسول الله صلى الله عليه وآله في قمة أعظم عظماء التاريخ ([1]).   

هذا التقويم الذي وضعوه لا يعنينا!

لا يُعَلِّمُنا حقاً نجهله عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا نُؤمن أنه تقويمٌ أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله حَقَّه ومَكانته، هؤلاء بحسب ما عندهم من موازين المادة، بحسب ما يرون من قيم الدنيا والمنفعة، هؤلاء وضعوه صلى الله عليه وآله في قمة البشر، فليس لأحد أن يعتذر بأنه لا يتذكر ما صنعهُ أبوها لهذه الأمة، وأنه نسي فضله على الأمة. وأنتم تقولون يا معاشر العرب، (المرء يُحفظ في ولده)([2]) ولم يبقّ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وِلدٌ إلا فاطمة، فأين حفظكم لعهد النبي صلى الله عليه وآله؟!  

 

وإذا أردنا أن نعرف إلى أي حد كانت هذه الفاجعة، فلا بُدَّ أن نرجع إلى أهل البيت عليهم السلام، هُم الذين يعلمونا،  والعلم يؤخذ من بيتهم، الإمام زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه، أراد أن يُعرّف نفسه، فبأي شيء عرّف نفسه؟  ذكر صفات جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر صفات جدّه أمير المؤمنين عليه السلام، والذي يُحيَّر العقول وله مساسٌ بما نتحدّثُ عنه، هو أنّ زين العابدين عليه السلام وصفَ نفسه بأنّهُ (ابن أصبرِ الصابرين) ([3]).  

 

إذا أردتم أن تعرفوا عظمة ماجرى وهول مصاب آل النبي صلى الله عليه وآله، فهذا هو مفتاح المعرفة!

زينُ العابدين عليه السلام رأى مصيبةَ أبيهِ الحُسين عليه السلام، ومصيبة الحسين عليه السلام مصيبةٌ يضيقُ عنها الصبر،  حتى إنه روي أن ملائكة السماء تعجبت لصبر الحسين([4])، وزين العابدين عليه السلام عالمٌ بما جرى لأبيه وعالمٌ بصبر أبيه، وقد رأى جميع ما رأى، ولكنّه راضٍ بهِ لأنّه كما وُصِف "تركت الخلق طرا في هواكا"

 

هذا صبرُ الحسين عليه السلام، ونحن لانستطيع  الآن في حديثنا عن فاطمة عليها السلام أن نذكر ماجرى للحسين لِنُعَرِّف أو لنبيَّن صبره، وأنتم جميعاً بحمد الله تعرفون صبر الحسين عليه السلام، ومع ذلك، ومع أنّ زين العابدين عليه السلام يعلم صبر أبيه، ما وصف أباهُ الحسين عليه السلام بأنّه أصبرُ الصابرين! وهذا يدل على أن ما رآه أمير المؤمنين عليه السلام من الظلم أشدُّ مما رآه الحسين عليه السلام بجميع تفاصيله، هذه هي ظلامة فاطمة عليها السلام .

 

لَعلّ متحاذقاً أو متحذلقاً يقول : "أصبر الصابرين رسول الله صلى الله عليه و آله"،  ونحن نقولُ له إن زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن علي ابن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو أعرفُ منك بما يقول فإنّ وصفهُ لأمير المؤمنين عليه السلام بأنه أصبرُ الصابرين لايعني أن رسول الله صلى الله عليه وآله أقلّ صبراً من علي، وإنما وجه ذلك من جهة الصناعة العلمية لمن لا يَعرف، لأن طريقة المتنطعين والمتحذلقين مأخوذة من الخوارج، هُمُ الذين عَلّموهم  (لا حكم إلا لله) هل تقول لهم كلامكم باطل ؟  لا، لكن مقصودكم باطل.

 

والتخريج الصناعي لكلام زين العابدين عليه السلام وجهان:

فإمّا أن يكون المقصود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستثنى من هذا العموم، كما هو الحال في كل عامٍّ يوجد تخصيص له، وما أكثر العمومات المخصصة، حتى قيل : ما من عام إلا وقد خُصّ! فالعام يبقى على عمومه إلا في المقدار الذي خرج بالدليل، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من هذا العموم يقيناً، وهذا لايؤثّرُ في دلالة العموم على عمومه، فعليٌ أصبرُ الصابرين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، هذا هو التخريج الأول.

 

والتخريج الثاني  أن الصبر يُطلق بِمعنيين:

 المعنى الأول : بيان الملكة، وماعند الانسان من القوى النفسانية والخُلُق الذي به يتمكن من السيطرة على إنفعالاته وعلى ردود فعله، فإذا ظُلِم، لاينتصف لنفسه. لِمْ ؟  لأنّه واجدٌ لملكةٍ يقتدر بها على ضبط نفسه، فهذه القوة النفسانية تسمى الصبر، كما إن قوة الإقدام تسمى بالشجاعة، وقوة البذل تسمى بالكرم، فالإنسان الكريم الذي عنده هذه الملكة، وإن لم يَحِلّ به ضيفٌ، وإن لم يأت إليه أحدٌ، وإن كان مريضاً لا يمارس مقتضيات هذه الملكة.  فإذاً  تارة يطلق الصبر ويراد به القوة النفسانية والملكة.

 

وأخرى يطلق الصبر ويراد به السلوك على وفق الملكة، أي : ضبط النفس خارجاً: العمل بمقتضى الملكة، والعمل أمرٌ خارجي، ليس قوةً نفسانية.  

فأميرُ المؤمنين عليه السلام وإن كان أقل قُدرةً -هذا التعبير قد يكون خطأً- وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله واجداً لقوةٍ أشدّ من قوة أمير المؤمنين عليه السلام في ضبط النفس، إلا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يُمارس هذه القوة، لأن الظُلم الذي وقع عليه لم يبلغ حدَّ الظلم الذي وقع على أمير المؤمنين عليه السلام.

 

 فالمقصود أصبر الصابرين، أي : في السلوك والعمل، لا في الملكة والقوة، هذا كله بحسب ما تناله عقولنا، من أن الصبر مَلَكةٌ وسلوك، ولكن الأنبياء والأئمة فوق هذه المراتب. الملكة تزول، بخلاف العصمة، فإنها لا تزول، والملكةُ يمكن أن يصدر عنها الفعل الذي على خلافها، الذي عنده ملكة الكرم قد يبخل أحيانا، الشجاعُ قد يفر أحيانا، لم تزل عنه الملكة ملكة الشجاعة، ولم تزل عن الأول ملكة الكرم، ولكنه قد يفعل بخلاف ما تقتضيه ملَكَتُه، وأما المعصوم فلا يمكن أن يصدر عنه ما يُنافي القوى التي عنده، كما إن المعصوم أيضا لاتزول هذه القوة،  إن سميناها قوة.

 

على أي حال نحن نعبر بهذه التعبيرات من أجل التقريب والتوضيح، وإلا فمقامُ المعصومين فوق مقام الملكات.  والذي يُقَّوي المعنى الثاني أو التخريج الثاني، أنّ زين العابدين عليه السلام إمامٌ معصوم، وهو يعلمُ أن الإمامة لاتكون إلا فيمن توفرت فيه خصلتان:  الصبر المطلق و اليقين المطلق. قال تعالى: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ...."  ماهو شرط الإمامة ؟!! ".... لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ"([5]). 

 

فزين العابدين عليه السلام يعلم أن هؤلاء صابرون صبراً مطلقا، ومع ذلك وصف أمير المؤمنين عليه السلام بأنّه أصبر الصابرين.  لِمْ ؟  ليبين أن الظلامة التي وقعت عليه هي أشدُّ ظلامة. وقد روى البخاري في صحيحه عن علي عليه السلام أنه قال : "أنا أول من يجثو بين يدي الرحمان للخصومة يوم القيامة" ([6]).

 

إذا عرفنا هذا، فلنأت إلى أمير المؤمنين عليه السلام حين وقعت هذه الواقعة، وحين جرت هذه الظلامة، فقد روي أنه عليه السلام ذهب إلى قبر فاطمة، وبث شكواه عند قبرها!

إلى من يبث شكواه ؟ 

بَثَّ شكواه إلى أبيها،  فقال :"قَلَّ يارسول الله عن صفِيَّتِك صبري" ([7]).  

إذا كان صبر أصبر الصابرين يَقِلّ عند مصاب فاطمة،  فأيُّ مصابٍ وقع عليها !! فإنا لله وإنا إليه راجعون .

-------------------------------

([1]) لعل سماحته يشير الى ما كتبهُ مايكل هارت في كتابه (The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History) -والذي تمت ترجمتهُ بعنوان (الخالدون المائة: أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ)- من أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أعظم شخصيةٍ مؤثرةٍ في تاريخ البشرية في الجانب الديني والجانب الدنيوي.

([2]) أصل القول حديثٌ نبوي وقد استشهدت به الصديقة الزهراء عليها السلام في حديثها مع الأنصار حيث خاطبتهم بالقول: "يَا مَعشَرَ النَّقِيبَةِ وَأَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَحَضَنَةَ الإِسْلامِ! مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي، وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي؟! أَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟ سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذَا إِهَالَةٍ، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَأُزَاوِلُ. أَتَقُولُونَ: مَاتَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه‏"كما جاء في الخطبة الفدكية.

([3]) من المصادر التي أوردت الخطبة كتاب مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي لأبي المؤيد الموفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم المتوفي سنة 568 هجرية تحقيق الشيخ محمد السماوي تصحيح دار أنوار الهدى ج 2 ص 77 وجاء فيما جاء فيها قوله عليه السلام:  "... أنَا ابْنُ صَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَارِثِ النَّبِيِّينَ وَ قَامِعِ الْمُلْحِدِينَ وَ يَعْسُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَ نُورِ الْمُجَاهِدِينَ وَ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَ تَاجِ الْبَكَّائِينَ وَ أَصْبَرِ الصَّابِرِينَ وَ أَفْضَلِ الْقَائِمِينَ مِنْ آلِ يَاسِينَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ... "

([4]) ".. قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات.." بحار الأنوار للعلامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه ج ٩٨ ص ٣٢٢

[5] الاية 24 من سورة السجدة

([6]) صحيح البخاري كتاب المغازي – باب قتل أبي جهل، و لفظ الحديث هو (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : " أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") وقد تحيّر المخالفون في تأويل الحديث وعلة خصومة أمير المؤمنين عليه السلام فجاؤوا بتأويلات لا تستقيم مع لفظ الحديث.

 

([7]) كتاب الكافي للشيخ الكُليني، المتوفى سنة : 329 هجرية ج 1 ص 459  طبعة دار الكتب الإسلامية،  سنة : 1365 هجرية / شمسية، طهران / إيران ومما جاء في الحديث عن الامام الحسين عليه السلام قوله: " لَمَّا قُبِضَتْ فَاطِمَةُ ( عليها السلام ) دَفَنَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سِرّاً وَ عَفَا عَلَى مَوْضِعِ قَبْرِهَا ، ثُمَّ قَامَ فَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) فَقَالَ : " السَّلَامُ عَلَيْكَ‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي ، وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ عَنِ ابْنَتِكَ وَ زَائِرَتِكَ وَ الْبَائِتَةِ فِي الثَّرَى بِبُقْعَتِكَ ، وَ الْمُخْتَارِ اللَّهُ لَهَا سُرْعَةَ اللِّحَاقِ بِكَ ، قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي ، وَ عَفَا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ تَجَلُّدِي، إِلَّا أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّي بِسُنَّتِكَ فِي فُرْقَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَ فَاضَتْ نَفْسُكَ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي ، بَلَى وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِي أَنْعَمُ الْقَبُولِ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

قَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ ، وَ أُخِذَتِ الرَّهِينَةُ ، وَ أُخْلِسَتِ الزَّهْرَاءُ ، فَمَا أَقْبَحَ الْخَضْرَاءَ وَ الْغَبْرَاءَ  .

يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ ، وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ ، وَ هَمٌّ لَا يَبْرَحُ مِنْ قَلْبِي أَوْ يَخْتَارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا مُقِيمٌ ، كَمَدٌ مُقَيِّحٌ ، وَ هَمٌّ مُهَيِّجٌ ، سَرْعَانَ مَا فَرَّقَ بَيْنَنَا ، وَ إِلَى اللَّهِ أَشْكُو ، وَ سَتُنْبِئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ  ، وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ ، فَكَمْ مِنْ غَلِيلٍ مُعْتَلِجٍ بِصَدْرِهَا لَمْ تَجِدْ إِلَى بَثِّهِ سَبِيلًا ، وَ سَتَقُولُ وَ يَحْكُمُ اللَّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ .

سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ وَ لَا سَئِمٍ ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ ، وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِينَ ، وَاهَ وَاهاً  وَ الصَّبْرُ أَيْمَنُ وَ أَجْمَلُ ، وَ لَوْ لَا غَلَبَةُ الْمُسْتَوْلِينَ لَجَعَلْتُ الْمُقَامَ وَ اللَّبْثَ لِزَاماً مَعْكُوفاً ، وَ لَأَعْوَلْتُ إِعْوَالَ الثَّكْلَى عَلَى جَلِيلِ الرَّزِيَّةِ ، فَبِعَيْنِ اللَّهِ تُدْفَنُ ابْنَتُكَ سِرّاً ، وَ تُهْضَمُ حَقَّهَا ، وَ تُمْنَعُ إِرْثَهَا ، وَ لَمْ يَتَبَاعَدِ الْعَهْدُ ، وَ لَمْ يَخْلَقْ مِنْكَ الذِّكْرُ ، وَ إِلَى اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمُشْتَكَى ، وَ فِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْسَنُ الْعَزَاءِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَ الرِّضْوَانُ "  .


التالي السابق