كلمة الشيخ علي الجزيري في حفل مولد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام بالمنصورة (1434 هـ)

موقع الشيخ علي الجزيري يرحب بكم

جاري تحميل المحتوى . . . الرجاء الانتظار

قائمة الاقسام

كلمة الشيخ علي الجزيري في حفل مولد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام بالمنصورة (1434 هـ)

2017/03/16 393

كلمة الشيخ علي الجزيري حفظه الله في حفل مولد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام بالمنصورة

21 جمادى الثانية 1434 هــ الموافق 2 مايو 2013م ([1])

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضلُ الصلاةِ وأزكى التسليم على أَشرفِ الخلق أجمعين محمدٍ وآله الطاهرين، والّلعنُ الدائمُ على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

قال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)[2] وفي صحيح البخاري أيضاً: (فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها)[3]، وجاء أيضاً في صحيح مسلم (فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها)[4].


(بضعةٌ منّي):

فاطمةُ (عليها السلام) بضعةٌ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فما معنى كونها بضعةً منه؟!

البضعةُ في اللغة هي القطعةُ من اللحم [5]، فكونها (صلوات الله وسلامه عليها) بضعةً منه أي بمعنى قطعةً من لحمه، هذا إن حملنا البضعة على المعنى اللغوي بالمقدار الذي ذكرهُ علماءُ اللغة[6].

وليسَ المرادُ بهذا بيان أَنّ فاطمةَ عليها السلام ابنتهُ أو أنّها تنتهي إليهِ في النسب؛ فإنّ هذا لا يحتاجُ إلى بيانٍ، فكُلُّ مَن كان يَعرِفُهُ يَعرِفُ أَنَّ فاطمة عليها السلام ابنته، ومَن لا يعرِفُهُ فإنّهُ لا يدري مَن هي فاطمة.  فإذاً مَن يدري مَن هي فاطمة الّتي يتحدّثُ عنّها يعرفُ أنّـها ابنته، فليس المقصود بكونها صلوات الله وسلامه عليها بضعةً منه بيانُ أنّـها ابنتهُ، بل المقصود بيان شيئٍ يَخفى على الأمّة؛ لأنّ هذا شأن البليغ، وليس من شأَن البليغ أن يَخرج على الناسِ ليقول (أيّها الناسُ اعلموا أنَّ السماءَ فوقكم وأنَّ الأرضَ تحتكم) فهذا هذرٌ، وأَفصحُ من نطقَ بالضاد منزّهٌ عنه، فلا بُدَّ أن يكون مُرادُهُ صلّى الله عليه وآله كَشْفُ شيئٍ خفيٍ للأمّة، لا بيانُ شيئٍ واضحٍ يعرفُهُ كُلُّ مَن يعرِفُ رسول الله صلّى الله عليه وآله ويعرف فاطمة  عليها السلام!

إذاً هي صلوات الله وسلامه عليها جُزءٌ منه، والجزئيةُ بالمعنى الخفيّ لا أستطيعُ أن أُدركَ كُنْهَ معناها حتّى أُبيّنه، فإنَّ جزئيتها صلواتُ الله وسلامهُ عليها مِن رسول الله صلّى الله عليه وآله لا تُعرف إلّا لمن يعرفُ كُنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وحقيقتهُ، ويَعرفُ كُنْهَ مَقامِ فاطمة عليها السلام وحقيقتها، وليس لأحدٍ أن يتكلَّم في هذا إذا لم يكن عارفاً بقدرهما صلوات الله وسلامه عليهما.

إذاً نحنُ نعرفُ شيئاً بهذا المقدارِ المجهول، فإن قُلتَ فما مزيّة بيانِ شيئٍ بهذا النحو الغامض؟ والجوابُ عن ذلك بَينٌ لمن لهُ إلمامٌ بأَسرار البلاغة ونُكاتها، فإنَّ القرآنَ الكريم قد اشتملَ على تشبيهاتٍ بأمورٍ غير محسوسةٍ، كقوله تعالى: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الصافات: 65] والحالُ أنّ أحداً منّا لم يرى رؤوس الشياطين؟! وقولهُ تعالى: ﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ ﴾ [القارعة: 1-2] فلم يبيّنها وإنّما بيّن عظمتها ببيان أنّها مجهولةٌ عندكم.

فإذاً قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: (فاطمة بضعةٌ مني)، وما أنت يا رسول الله؟! لا ندري! وما كون فاطمة بضعةٌ منك؟! لا ندري، ولكنّا نعلمُ من هذا البيان عظمةَ مقام فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها)، ولم يقل رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) لأحدٍ أنّه بضعةٌ منه.


هذا ما يتعلّق بلفظة (بضعة)، فما معنى (منّي)؟!

عندما تقول أنا جئتُ، وأنا ذهبتُ، فإنّ الضمير لا تُريدُ به البدنَ خاصّة ولا الروح خاصّة وإنّما تُريدُ بالضمير المركب من الروح والبدن، ولذلك فإنّك عندما كنت في سن الثانية مثلاً أو الثالثة تقول أنا أريد، وعندما صرت في سن العشرين أو الثلاثين وتبدّل ذلك الجسم تقول أيضاً أنا أريد! فــــمقصودك من لفظة (أنا) لا يزال محفوظاً رغم كل التغيرات التي طرأت على البدن! تقول (هذا لي) مع تغيّر بدنك، بين كونك صغيراً وكونك كبيراً.

إذاً الضميرُ يرادُ به ما فوق البدن، فكونُ فاطمةَ (عليها السلام) بضعة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يرادُ به أنّها بضعةٌ من جسده؛  فإنَّ جسدهُ مفصول عن جسدها، فقد يكونُ جسدهُ مثلاً في المعركة وجسدها يكون في بيتها، أو أن يكون جسدهُ في المسجد وجسدها في بيتها، فإذاً هي ليست جزء منه بمعنى أنّها جزءٌ من جسده، بل جزءٌ من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، الذي هو فوق البدن والروح. وإذا كان هذا حالُ فاطمة فهي إذاً فوق أن تُدركها عقولنا القاصرة، وفوق أن تُدركها عقول الكُمّل من البشر.

 (فمن أغضبها أغضبني):

الغضب والسخط في ما نفهمه بحسب معرفتنا بوجدانياتنا هو حالةٌ انفعاليةٌ عاطفيّة، ولذا يعرضُ هذا مثلاً على المبتلى بارتفاع ضغط الدم أكثر من عروقه على غيره؛ لأنّه انفعالٌ عاطفيٌ، فهل يُقصدُ بالغضب الذي يُسندُ الى الله جلّ وعلا والذي يُسندُ الى الأنبياء عليهم السلام هذا المعنى؟!

هذا لا يصحُ اسناده الى الله سبحانه ولا إلى أصفيائِه المعصومين (عليهم السلام)، فإنّهم غير محكومين لعواطف؛ وما يحكمهم هو شرعُ الله جلّ وعلا، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يغضبُ إلّا إذا تُعَديت حدودُ الله، وأمّا أن يغضب للهوى – لأَنّه مثلاً لا يُحب هذا أو يبغضُ ذاك- فهذا ليس بنبيٍّ وليس بمعصومٍ!

فإذاً غضبُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو العلامةُ لتجاوزِ حدود الله، وقد جعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غضبَ فاطمة (عليها السلام) علامةً على غضبه.

فإذاً مَن لا يعرفُ حدودَ الله فلينظر الى موقف فاطمة (عليها السلام) مِن فِعْلِه، فإذا رضيت عنه فإنّه لم يتعدّ حُدودَ الله، وإن غضبت عليه فقد تعدّى حدود الله، وإذا علمنا أنّها غضبت من أحدٍ فقد علمنا أنّ هذا الذي غضبت عليه قد تعدّى حُدود الله،  ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1]

ومن الدلالات الشريفة في هذا الحديث كَونُ هذه الفقرة مبيّنةً لحُكْمِ مَنْ أغضبَ فاطمة.

مَن يُغضِبُ فاطمة فإننا نَعرِفُ حُكمهُ من هذا الحديث (فمن أغضبها أغضبني)،  فإذا رأينا أحداً أغضبَ فاطمة عرفنا أنّه أغضبَ رسول الله صلى الله عليه وآله، وإذا عرفنا أنّه أغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله فإنّا نعلمُ باليقينِ أنّه أغضبَ الله،  وإذا عرفنا أنّه أغضبَ الله فحكمهُ من القرآن الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ [الممتحنة: 13]،  فلا يجوزُ لك أَن تتولَّى أحداً غضب عليه الله، ولا يجوزُ لك أن تتولّى أحداً غَضِبَ عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا يجوز لك أن تتولّى أحداً غضبت عليه فاطمة (عليها السلام). 


لعلّك ترى الرجل يفعلُ الفِعلَ ولا تدري أنَّ هذا الفعل يُرضي الله أو يُغضبه، كأن يكون للفعل وجوهٌ، ويمكنُ أن يجتهد أحدٌ فيقول: هذا فعلٌ مُرْضٍ لله، وأنتَ لا تدري إن كان هذا الفعلُ مرضٍ لله أو مُغضباً لهُ، فماذا تصنع؟!

والجوابُ أنّك إذا كُنت في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله ترجعُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وتقول لهُ مثلاً "يارسول الله إنَّ فلانا أوَلَمَ لفلان بكذا وكذا، فهل عَمَلُهُ هذا يرضي الله أو يغضبه؟!" فيخبرك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتعرفُ الحال.

وأمّا إذا كُنت بعد زمان رسول الله صلّى الله عليه وآله فماذا تصنع؟!

رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) أخبر الأمّة بعلامةٍ يَستبينونَ بها رضا الله وغضبه، فما هي هذه العلامة؟!

إنّها رضا فاطمة وغضبها.

إذا رأيتم من لا تَدرون أَنَّ فِعلَهُ يُرضي الله أو يُغضبُه، فانظروا إلى فاطمة فإن رأيتموها راضيةً عنه فاعلموا أنَّ الله عنهُ راضٍ، وإذا رأيتموها عليه غَضْبَى، فاعلموا أنّ الله عليه غاضبٌ، فلا يجوزُ لكم أن تُحبّوه ولا أن تتولّوه؛ لأنَّ الله نهاكم أن تتولوا قوما غضب الله عليهم!

فمن هذا الحديث نعرفُ دلالةً عظيمةً، وهي حُكم من غضبت عليه فاطمة.

وقد أشكل بعض المخالفين بالقول إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يُريدُ أنّ كُلّ مَن غضبت عليه فاطمة فهو عليه غاضبٌ وإن كان غضبها ناشئاً من غير الحق؛ لأَنّهم لا يقولون بعصمتها (عليها السلام)، فإذاً لا بُدّ أن يكون المقصودُ من هذا الحديث أنّها إذا غضبت لغير حقٍ فأنا أغضب!

والجوابُ: أيعقلُ أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو أفصحُ من نطق بالضاد، وهو الذي أُوتي جوامع الكلم، يُمهّد لهذا الأمر الذي يثبتُ لجميع المؤمنين بعبارة (فاطمة بضعة مني)؟!

ما وجهُ العلاقة بين هذا التمهيد وبين الحكم الذي مهّد له؟!

إذا كان المقصود إذا غضبت لحقٍ – بأن تجاوز أحدٌ حدود الله فيها فسرق مالها مثلا أو قتل ولدها فأنا أغضب- فهذا ثابتٌ لجميع المؤمنينن فكلُّ واحدٍ منكم إذا سُرِقَ مالُه وغَضِبَ فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يغضبُ لغضبه؛ لأنّ الذي سرق المال تَعدّى حُدود الله.

وكذلك إذا آذى أحدٌ ولداً من أولادكم فغضب، فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يغضب؛ لأنّ الذي آذى أولادكم بغير حقٍّ تعدّى حُدودَ الله، فما خصوصية فاطمة (عليها السلام) في هذا؟!

وبعبارةٍ أخرى لو كان مقصود الرسول(صلّى الله عليه وآله) إذا غضبت فاطمة على أحدٍ لأنّه فعل مُحرّماً فأنا عليه غاضبٌ، فما موجب ربط الغضب بفاطمة (عليها السلام) ما دام يسعهُ أن يقول أنا عليه غاضب؟!

هذا الحديث صريحٌ الدلالة على أن فاطمة (عليها السلام) لها مزيةٌ تنفردُ بها عن سائِر الأمّة وإلّا فلا وجهَ لهذا التمهيد (أن يقول فاطمة بضعة مني)، وهذه المزيّة التي تنفردُ بها عن سائر الأمّة هو الإطلاق من غير تقييدٍ من أن يكون غضبها ناشئاً من فعل ذلك المغضب لها مُحرماً أو عدم فعلهِ محرماً بعنوانه.

فنفسُ فِعل فاطمة (عليها السلام) ونفسُ موقف فاطمة (عليها السلام) كاشفٌ عن أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد غضبَ ممن غضبت عليه، فهذه المناقشة مناقشةٌ زائفة وواهية.


(ويؤذيني ما آذاها):

لقد دلّ القرآن الكريم على كمالاتٍ كثيرةٍ في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومن أعظم ما دلّ القرآنُ الكريمُ عليه من كمالاتِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّ القرآن الكريم قد جعلَ طاعةَ الرسول (صلّى الله عليه وآله) طاعةَ الله، وقد جعل إيذاء الرسول (صلّى الله عليه وآله) إيذاءَ الله،  فأنّى لنا بكُنهِ معرفته (صلّى الله عليه وآله) ؟!

وحديثنا هنا عن هذه الجهة فقط وهي عن كون إيذاء الرسول إيذاءً لله سبحانه؛ لأنّ من آذى فاطمة عليها السلام فقد آذى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومَن آذى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقد آذى الله، ومن هذا الجانب يأتي عليه الحكم الصادر في القرآن الكريم.). ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]


ومن جانبٍ آخر فإنّ جميع الأمّة مأمورون بالتَأسّي برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، وقال أيضا: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31].


فيجبُ على الأمّة جمعاء أن تتأسّى برسولِ الله (صلّى الله عليه وآله) وأن تتّبع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فإذا علمنا أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يؤذيهِ ما يؤذي فاطمة (عليها السلام)، فما هي وظيفة الأمة؟!


وظيفة الأمة أن يؤذيها ما يُؤذي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإلّا فلن يكونوا تابعين له! فالإتّباع  يعني أن تكون تلو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا الإتّباع الفيزيائي بحيث أن تكون بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمعنى أن جسدك يأتي بعد جسده، بل الإتّباع في الموقف إن كنّا لنستخدم تعبيراتٍ حديثة.


والإتّباعُ في الموقف يستلزمُ إذا رضي (صلّى الله عليه وآله) عن أحدٍ أن ترضى عنه، وإذا غضب على أحدٍ أن تغضب عليه، وإذا أُوذي من أحدٍ أن تتأذّى منه، وإلّا فأنت غير تابعٍ للنبي (صلّى الله عليه وآله). ومن هنا يجبُ على الأمّة أن تتأذى ممن آذى فاطمة عليها السلام، وإلّا فليست متأسيةً بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولا متّبعةً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).  


وبهذا البيان يتبيّن أيضاً حكم من آذى فاطمة (ويؤذيني ما آذاها)، فإذا رأيتم أحداً آذى فاطمة عليها السلام،  فاعلموا أنّه آذى رسولَ الله صلّى الله عليه وآله،  وحُكْمُ مَن آذى رسول الله صلّى الله عليه وآله منصوصٌ عليه في كتاب الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57]،  فَمَنْ آذى فاطمة عليها السلام فإنّه ملعونٌ في الدّنيا والآخرة، وقد أعدَّ الله له عذابا مهينا، فهل تحتاجُ الأمّة بياناً أوضحَ من هذا البيان لتعرفَ الحقّ ويستبين لها الحقّ؟!

 هذا جانبٌ من جوانب دلالة هذا الحديث الشريف.


وقد ناقش بعضهم في دلالة الفقرة على عصمة فاطمة (عليها السلام) بأنّ من آذى فاطمة فقد آذى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال بأنّ المقصود (من آذاها بغير حقٍ، أي من ظلمها حقّها)، وبهذا أيضاً تشترك مع سائر الأمة ولا مزيّة لها في هذا البيان!

والذي يقولُه الشيعة في تقرير دلالة هذا الحديث على مكانة فاطمة (عليها السلام) أنّ هذا الحديث ناظرٌ الى تمييزها من جهةٍ وقد تقدّم بيانها.


دلالة الحديث على عصمة الزهراء عليها السلام:

ويشيرُ الحديث أيضاً إلى بيان حُكْم فاطمة عليها السلام، وأنّها صلوات الله وسلامه عليها معصومةٌ وهذا يستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله): (يؤذيني ما آذاها) ومن قوله (صلّى الله عليه وآله):  (فمن أغضبها أغضبني).

أمّا دلالةُ قوله (صلّى الله عليه وآله): (يؤذيني ما آذاها)، فمِن جهةِ أَنّه لو لم تكن فاطمة عليها السلام معصومةً لجاز عليها أن ترتكبَ الخطيئة؛ فغيرُ المعصوم يجوزُ في حَقّهِ أَن يُذنب، والذنوبُ تختلفُ أحكامها، ومن الذنوب ما جعل الله سبحانه له في الشرعِ حداً، وأوجب إيذاء المذنب بهذا الذنب. 


ومن ذلك - ونحن لا نذكر كل الذنوب التي من هذا القبيل - قَذفُ المؤمنين؛ فمن قَذف مؤمناً مثلاً وجبت إقامةُ الحدّ عليه، فلو لم تكن فاطمة عليها السلام معصومةً فيجوزُ في حَقّها-كما يجوز في حقِّ من لم يكن معصوما- أَن يتشاجرَ مع أحدٍ فيزلّ عليه ويقذفه، أَو يسبّه سبّاً يستوجبُ التعزير، والتعزير والحدّ كلاهما إيذاءٌ واجبٌ في الشرع على مَن صَدر منه بعضُ الآثام.


فلو لم تكن معصومةً لجاز أن يصدر منها ما يستوجبُ حداً كالقذف والسبّ،  ولو صدر منها ما يستوجبُ حداً، فيجبُ إيذاؤها وإقامة الحد أو التعزير عليها، فلو لم تَكُن معصومةً لجازَ إيذاؤها،  ورسولُ الله صلّى الله عليه وآله يقول : "ويؤذيني ما آذاها" فإيذاؤها إيذاءٌ لرسول الله صلّى الله عليه وآله،  فهو حرامٌ.


ولو لم تكن معصومةً لجاز أن ترتكب ما يُوجب حداً فيجب إيذاؤها، ، فيلزم أن يكون شرعُ الله متناقضاً لو لم تكن فاطمة معصومةً؛ فحُكمٌ شرعيٌ يقول "يجب إيذاؤها"، وحكمٌ شرعيٌ يقول "يحرم إيذاؤها"،  أفيجوز في شرع الله التناقض؟! 


وبعبارةٍ أخرى إنّ وليّ الأمر -على الأقل- مأمورٌ بأن يُؤذي من قذف مؤمناً – أي يقيم عليه الحدّ- فلو لم تكن فاطمة عليها السلام معصومةً لجاز أن ترمي أحداً من المؤمنين  بغير حقٍ، ولو جاز هذا لوجب على إمام المؤمنين أن يُقيمَ عليها الحدّ وأَن يُؤذيها، وحينئذ يقعُ التصادمُ بين أحكام الشرع:


فمن جهةٍ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقولُ (يؤذيني ما آذاها)، وإيذاءُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يجوز، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57]، فإذاً لا يجوزُ إيذاءُ فاطمة (عليها السلام).


ومن جهةٍ أخرى إذا كانت فاطمة (عليها السلام) غير معصومةٍ وجاز أن تقذفَ أَحداً مثلاً أو تَسبّه سَباً يُوجب تعزيراً فيجبُ إيذاؤُها، فيصير إيذاؤها في الشرع الحنيف -الذي لا تناقض في احكامه- واجباً من جهةٍ وحراماً من جهةٍ أخرى، فماذا يفعلُ إمامُ المسلمين؟ هل يلزمه أن يؤذيها أو أن لا يؤذيها؟!

هذا تناقضٌ في شرع الله والعياذ بالله.


فإذاً  هذا يدلُّ باليقين على أنّ فاطمة (عليها السلام) معصومةٌ ولا يجوزُ عليها الخطأ ، ولا يعقل أن يصدر منها ما يوجب حداً، وهذا هو الوجهُ في دلالة قوله (صلّى الله عليه وآله): (يؤذيني ما آذاها).


وأمّا دلالة قوله (صلّى الله عليه وآله): (فمن أغضبها أغضبني) على عصمتها،  فهو إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نبيٌ من الأنبياء،  وهو سيّد الأنبياءِ بل سيّد ولد آدم، بل سيّد جميع الخلق،  فإن الروايات عندنا قطعيّة في أنّ الله سبحانه ما خلق نسمةً خيراً من محمد [7]، وإذا كان من الأنبياء فحالُه يُعرف من القرآن الكريم : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. 

فرسولُ الله صلّى الله عليه وآله كسائر الرسل، إذا قامَ الناسُ بالقسط سُرَّ وابتهج وفَرحَ بهذا،  ولا يُعقل أن يغضبَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله إذا قام أحدٌ من الناس بالقسط،  وحيثُ إنَّه رسولٌ من الرسل أرسل ليقوم الناسُ بالقسط، فإذا قام الناسُ بالقسطِ فقد ابتهج ورضي، ولا يُعقل أن يغضب!


فلو لم تكن فاطمة عليها السلام معصومةً لجازَ أن تفعل ما يُوجبُ الحدّ عليها، ولو أقيمَ عليها الحدّ -بعد فعلها ما يوجبُ الحدّ كالقذف والسبّ الموجب للتعزير-  فإنّ إقامة الحد عليها من إقامة القسط،  والإمامُ الحاكمُ في زمانها لو أنّه أُتيَ إليه برجلٍ من الناس سبَّ مؤمناً أو قذف مؤمناً فأقام عليه الحد، فإنّهُ يكون بذلك قد أقام القسط، فإذا كان قد أقام القسط وجاز في حقّ فاطمة عليها السلام أن تَفعلَ ما يُوجب إقامة الحدّ ، فإنّ إقامة القسط عليها مما يُوجبُ رضا رسول الله صلى الله عليه وآله. 


فلو لكم تكن معصومة عليها السلام لَلَزمَ من ذلك أن يغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله بإقامة القسط، وهذا طَعنٌ في الأنبياء، بل هو طَعنٌ وإساءة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله الذي أرسل الرسل ليقوم الناسُ بالقسط، أرسلَ رسولاً يفرحُ إذا لم يُقَم القسط ، ويَغضبُ إذا أقيم القسط ، وهذا باطلٌ. 


وقد يقول متحاذقٌ  إنّه يجوز في حق فاطمة أن تُذنب،  ولكنّنا نعلمُ أنّها دائما ترضى بأن يُقام عليها الحد، وأنّها لا تغضبُ إذا أقيم عليها الحد، فنقول له : إن لم تكن معصومةً فيجوز أن تغضبَ إذا أُقيم عليها الحد بحقٍّ، فلو أنّها سبّت مؤمناً فحكم الحاكم الشرعي بوجوب تعزيرها، فإذا لم تكن معصومةً أيجوز أن تغضبَ إذا أقيم عليها الحد "التعزير" أو لا يجوز؟! 


من لم يكن معصوما يجوز أن لا يرضى بحكم الله سبحانه، فإذا جاز هذا في حقّها، فنسألُ وما هو حال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا غضبت فاطمة (عليها السلام) لأنّ الحاكم الشرعي أراد إقامة التعزير عليها؟! 


فإن قلتم يغضب، لزمكم أن تقولوا إنّ رسول الله يغضب إذا أقيم القسط، وما أرسل لهذا، وإن قُلتم إنّهُ يرضى،  لزمكم تكذيبُ رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنه يقول : (فمن أغضبها أغضبني)، وأنتم تقولون إنّه يُرضيهِ ما يُغضبها، فاختاروا أي الــمُرَّين أحبّ إليكم.


فهذا الحديث من هذه الجهة يدلّ على عصمة فاطمة عليها السلام مضافاً إلى دلالته على عصمتها من الوجه الآخر، وهذا ما رواهُ القومُ في أصحّ صحاحهم، فأين هم من إتّباع رسول الله صلّى الله عليه ,آله فيما ثبت عنهم باليقين؟!!

والحمدُ لله رب العالمين.

 

[1] تتميماً للفائدة، فقد دمجنا مع المحاضرة بعض الفقرات الّتي أوردها الشيخ علي الجزيري حفظه الله في حفل مولد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام في حسينية البتول (عليها السلام) من عام 1434هـ.

[2] صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة،  باب مناقب فاطمة عليها السلام حديث (3556)

[3] صحيح البخاري كتاب النكاح،  باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف، حديث (4932)

([4]) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة،  باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام حديث (2449)

[5] جاء في معجم لسان العرب، حرف الباء مادة (بضع):  بضع : بضع اللحم يبضعه بضعا وبضعه تبضيعا : قطعه ، والبضعة: القطعة منه ، تقول : أعطيته بضعا من اللحم إذا أعطيته قطعة مجتمعة ، هذه بالفتح ، ومثلها الهبرة ، وأخواتها بالكسر ، مثل القطعة والفلذة والفدرة والكسفة والخرقة وغير ذلك مما لا يحصى . وفلان بضعة من فلان : يذهب به إلى الشبه، وفي الحديث : فاطمة بضعة مني.

[6] والبضعة في اللغة أيضاً أَصلٌ للبضاعة، والبضاعة جزءُ المال، ولكن ليس كل جزءٍ من المال يسمّى بضاعةً، وإنّما البضاعة هي المالُ الـمُعَدُّ للاستزاده والاسترباح، وأمّا المال الذي في جيبك فلا يسمى بضاعةً، بخلاف المال الذي تعدّه للاسترباح والزيادة فهذا يقالُ له بضاعة، وعلى هذا فالبضعةُ ليست كُلّ جزءٍ، بل هي الجزء الخاصُّ الذي منه النماء ومن جانبه تأتي الزيادة، وهكذا كانت فاطمة عليها السلام بالنسبة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإنّها الجزءُ الذي جاءت منه ذريّة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فجاءت الزيادة من قبلها (الشيخ الجزيري حفظه الله).

وقد جاء في معجم لسان العرب، حرف الباء مادة (بضع):البضاعة : السلعة ، وأصلها القطعة من المال الذي يتجر فيه ، وأصلها من البضع وهو القطع ، وقيل : البضاعة جزء من أجزاء المال وتقول : هو شريكي وبضيعي ، وهم شركائي وبضعائي ، وتقول : أبضعت بضاعة للبيع كائنة ما كانت.

[7]  روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي (باب مولد النبي صلى الله عليه وآله ووفاته) بسنده عن أبي عبدالله عليه السلام وذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "ما برأ الله نسمة خيراً من محمد صلّى الله عليه وآله.


التالي السابق