ما هو المقصود بمصطلح الردّة؟

موقع الشيخ علي الجزيري يرحب بكم

جاري تحميل المحتوى . . . الرجاء الانتظار

قائمة الاقسام
عنوان السؤال: ما هو المقصود بمصطلح الردّة؟
ابو كرار 2016/11/28 472

ما هو المقصود بمصطلح الردّة؟

(مقطعٌ مقتبسٌ من محاضرة عقائدية للشيخ علي الجزيري - شهادة الإمام الحسن المجتبى 1438 هـ)

الجواب:

الردّة بمعنى الرجوع([1])، والردّة أيضاً لها إطلاقات منها: الرِدّةُ عن الاسلام، والرِدّةُ عن الطاعة.

وتُوجدُ جُملةٌ من الروايات التي تحدثت عن ارتدادِ قومٍ وكذلك الآية الشريفة (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). ([2])

الآيةُ فيها سؤال، و اللهُ سُبحانه عالمُ الغيب والشهادة، فهل السؤالُ في الآيةِ بقصد الاستعلام؟!!

معاذ الله ! حملُ السؤالِ في الآية على الاستعلام فيه إسنادُ الجهلِ الى الله سبحانه!

فإذن السؤالُ ليس على وجه الاستعلام، بل القصدُ من السؤال هو الإنكار.

متى يصحّ الإنكار؟!

مثلاً لو أنّي رأيتُ شاباً ملتحياً، فهل يَحقُّ لي أَن أَعيبَ عليه بالقول "كيف تحلقُ لحيتك؟" هو ملتحٍ! فهل يصحُّ مني أن أُنكر عليه أنّه يحلق لحيته وأقول له "كيف تحلق لحيتك؟!" الجواب لا يصلح!

إنّما يصح الإنكار عند وقوع المنكر، فتدلُّ الآيةُ إذن على أنّ الذين خُوطبوا في هذه الآية قد انقلبوا!
(إنقلبتم).. الخطابُ هنا للأمة .. فهل انقلبوا عن الاسلام وتركوا التشهّدّ بالشهادتين؟!

لم يتركوا التشهد بالشهادتين!

إذن الإنقلابُ هنا بمعنى ترك الطاعة، وكذلك في الروايات.
يُوجد عند غيرنا لفظة (ارتدّت العرب)([3])، وعندنا لفظة (أرتدَّ الناس)، وهذه الروايات موجودة عند الفريقين. صحيحٌ أنهم يشنعون علينا ولكن ذلك بسبب جهلهم بما في رواياتهم!
عندهم روايات فيها أيضاً هذا!
هذا الإرتداد لا يُرادُ به ترك التشهِّد بالشهادتين؛  لأن المسلمين لم يتركوا التشهد بالشهادتين.

إذن الردة في مثل هذه الروايات بمعنى ترك الطاعة.

رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرَ الأمّة بشيءٍ، والأُمّة خالفت هذا الشيء!

فما هو الشيء الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) به الأمة عامة وكُلّها تركته و أجمعت على تركه!

لا يوجد شيءٌ اتفقت الأمّة على معصيةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه إلا الوَلاية.

شُرب الخمرِ مثلاً، لم يجتمعوا على شرب الخمر!

الغيبة .. لم يجتمعوا على الغيبة!

سرقة أموالِ الناس.. لم يجتمعوا على سرقة أموال الناس!

 ربَّما يوجدُ هنا وهناك من يَعصي هذه المعصية،  أمّا وجودُ معصيةٍ واحدةٍ صَدرت عن عموم الأمة (أي الطيف العام أو الجماعة الكثيرة بحيث يصح إسناد هذا الفعل إلى الأمة) فلم يحصل إلّا للولاية!

متى يصح اسناد فعل معين للأمة؟!

ليس بصدور عمل واحدٍ عن فرد واحدٍ! ولا عن فردين أو عن عشرة،  وانّما يصحُّ ذلك إذا صدر الفعلُ عن الجمهور -عن عامة الأمة!

إذن في هذه الآية وهذه الروايات بيانٌ لإرتداد الناس عن الطاعة.

وقد دفعَ جهلُ بعض المشنعين على الشيعة بوجود معنيين للردة :  ردة عن الاسلام وردة عن الطاعة للتشنيعِ على الشيعة بأنّهم يقولون بأنَّ الصحابة قد ارتدوا، وهم يجهلون بأن معنى الردة في هذا هو الردة عن الطاعة!

ولو أنهم أخذوا بالتفسير الأول للردة وهو ترك الإسلام فعندهم مثل هذه الروايات[4]، فالإشكال واحد والجواب الجواب.

 

[1]  يُمكنُ ملاحظة هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ سورة النمل:الآية 40 وقوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾  سورة إبراهيم: الآية 43.

[2]  سورة آل عمران: الآية 144

[3]   راجع مثلاً  كتاب فضائل الصحابة  لأحمد بن حنبل، ج 1 ص 199، تحقيق د. وصي الله محمد عباس، الطبعة الأولى سنة 1983، مؤسسة الرسالة – بيروت:
 الحديث (217): حدثنا عبد الله , قال : حدثني أبو معمر إسماعيل ، قثنا عبد الله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أبي عون ، وعبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : " قبض النبي صلى الله عليه [وآله]وسلم ، وارتدت العرب، فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها ، ارتدت العرب واشرأب النفاق بالمدينة ، فوالله ما اختلف الناس في نقطة إلا طار أبي بحظها وعنائها " .

وراجع كذلك كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 67 تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الأولى سنة  1371هـ - 1952م مطبعة السعادة – مصر:
"أخرج أبو القاسم البغوي و أبو بكر الشافعي في فوائده و ابن عساكر عن عائشة (رض) قالت : لما توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم اشرأب النفاق و ارتدت العرب و انحازت الأنصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها و فضلها.

وجاء نفسُ المضمون عن أبي هريرة كما جاء في كتاب  الاعتقاد إلى سبيل الرشاد للبيهقي، ص 485، تحقيق أحمد بن إبراهيم أبو العينين، الطبعة الأولى سنة 1999م،  الناشر: دار الفضيلة،الرياض- المملكة العربية السعوديّة:
رقم الحديث: 320 (حديث مرفوع) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَيْمونِيُّ , ثنا الْفِرْيَابِيُّ , ثنا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ، لَوْلا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتُخْلِفَ مَا عُبِدَ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ ، ثُمَّ ، قِيلَ لَهُ : مَهْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ ، وَجَّهَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي سَبْعِ مِائَةٍ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي خَشَبٍ قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ. 
وجاء أيضاً في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد  للهيثمي (ط. العلمية ج 9 ص 16 – 17، )،  تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، طبعة 2001، الناشر: دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان:                                                                                                                   
 14337 وعن عائشة قالت : قبض رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - فارتدت العرب ، واشرأب النفاق ؛ فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها . قالت : فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وسنانها . رواه الطبراني في الصغير والأوسط من طرق، ورجال أحدها ثقات .

[4]  بل يوجدُ ما هو أكثرُ صراحةً في ربط الإرتداد والإحداث بالصحابة كما جاء في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج 7 ص 1672 الطبعة الأولى سنة 2002م، مؤسسة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض-المملكة العربية السعودية:
3952 "تَرِدُ عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه؛ كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! أتعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء. وليصدن عني طائفة منكم، فلا يَصِلُون، فأقول: يا رب! هؤلاء من أصحابي؟!

فيجيبني ملكٌ فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!

قلت: هذا حديث صحيح من رواية أبي هريرة (رض)، وله عنه طرق وألفاظ، بعضها مطول كهذا، وبعضها مختصر، وإليك البيان:

الطريق الأولى: عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعاً به.

أخرجه مسلم (1/150) - والسياق له-، وأبو عوانة (1/137) ، والبيهقي في "البعث والنشور" (102/158).

الثانية: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدث- وفي رواية عن ابن المسيب أنه كان يحدث- أن رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - قال: "يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُجْلَوْن عن الحوض، فأقول: يا رب! أصحابي؟! فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك؛ إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى".
الثالثة: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً نحو حديث الترجمة؛ وفي آخره:

"ألا ليُذَادَنَّ رجال عن حوضي؛ كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلمّ! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً! ".

أخرجه مسلم (1/ 150-151) ، وأبو عوانة (1/138) ، والبيهقي (161) ، وأحمد (2/300و408).

الرابعة: عن محمد بن زياد: سمدت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي- صلى الله عليه [وآله] وسلم - قال:

"والذي نفسي بيده! لأذودن رجالاً عن حوضي؛ كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض ".

أخرجه البخاري (2367) - وهذا لفظه-، ومسلم (7/70) ، والبيهقي (165) ، والبغوي في "شرح السنة " (15/172/4345) ، وأحمد (2/298و454) . وقال البغوي: "هذا حديث متفق على صحته ".

الخامسة: عن عبيد الله بن أبي رافع عنه مرفوعاً مختصراً جداً. أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (769).

السادسة: عن الوليد بن رباح عنه مرفوعاً مختصراً أيضاً. أخرجه ابن أبي عاصم (775) وللحديث شواهد كثيرة، استوعب طائفة طيبة منها البخاري، وابن أبي عاصم، والبيهقي، وغيرهم بألفاظ مختلفة؛ منها المطول، ومنها المختصر.


التالي السابق